
تَعكِس التَّصريحات والاتّهامات التي صَدرت عن الرئيس الفِلسطيني محمود عباس، سَواء تِلك المُتعلّقة بالسفير الأمريكي في تل أبيب، أو الأُخرى التي تَضمَّنت اتّهامات لحَركة “حماس” بالوُقوف خَلف التّفجير الذي استهدف مَوكِب الدكتور رامي الحمد الله، رئيس الوزراء، في مَدخَل قِطاع غزّة، حالةً من الإحباط النَّفسي التي يَعيشها، وربّما استفحال حالته المَرضيّة أيضًا.
لم يَكُن الرئيس عباس في حاجَةٍ إلى وَصف السفير الأمريكي ديفيد فريدمان بأنّه “ابن كلب” بعد تصريحه الاستفزازي الذي قال أن المُستَوطنين اليهود يبنون المُستَوطنات في أرضِهم، فمِثل هذه التوصيفات لا تَليق بِه ومَركزِه، وهو الرَّجل المَعروف بِهُدوئِه واتّزانِه، وكان يُمكِن أن يَرُد بِطُرقٍ عمليّةٍ أُخرى أكثر فاعِليّة وإيلامًا للسّفير وحُكومَتِه ومُستوطِنيه.
وحتى إذا أراد الرئيس عباس أن يُعبِّر عن غَضبِه تُجاه هذه الاستفزازات التي فاقت كل المَعايير السياسيّة والأخلاقيّة بِصُدورها عن سَفير دولةٍ عُظمى فمِن المُفتَرض أن يكون دِبلوماسيًّا ويَختار كلماته بِعِناية فائِقة، فقد كان عليه في الوَقت نفسه أن لا يُصعِّد اتّهاماتِه ضِد حركة “حماس″، ويَغمِز من قناة مِصر، ويَستعدي حركة “الجِهاد الإسلامي”، فالوِحدة الوطنيّة، أو الحَد الأدنى مِنها، باتَ مَطلوبًا في ظِل التغوّلَين الأمريكي والإسرائيلي ضِد الشَّعب الفِلسطيني وحُقوقِه المَشروعة.
كُنّا نتمنّى لو أنّ الرئيس عباس حافَظ على هُدوئِه وضَبط أعصابه، وكَظم غَيظه، ورَد على هذا السَّفير ووقاحَتِه واستفزازاتِه بإلغاء التَّنسيق الأمني فِعليًّا، وإلقاء خِطاب جماهيري يُطالِب فيه الشَّعب الفِلسطيني، أو وحركة فتح التي يتزعّمها على الأقل، بإشعال فَتيل الانتفاضة.
وصف السفير الأمريكي “المُستوطِن” بأنّه “ابن كلب”، لن يُوقِف الاستيطان، ولن يُغيّر مَوقِف إدارته الأمريكيّة من الاعتراف بالقُدس المُحتلّة عاصِمةً لدولة الاحتلال الإسرائيلي، بل يُعطِي نتائج عكسيّة تمامًا، أبرزها ظُهور القِيادة الفِلسطينيّة بمَظهر القِيادة “المُنفَعِلة” وغير الحَضاريّة، وهذا ما حَصل فِعلاً بالنَّظر إلى رُدود الفِعل الإسرائيليّة والأمريكيّة على تَصريح الرئيس الفِلسطيني الخارِج عن المَألوف، فقد أصبح الشَّعب الفِلسطيني وقِيادته المُتّهمين بالكَراهية، أما المُستوطِنون اليَهود فهُم حملان وديعة، وحضاريّة مُنضبِطَة في الوَقت نَفسِه.

